ابن كثير
352
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ الهمزة : 1 ] والهمز بالفعل واللمز بالقول ، كما قال عز وجل : هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [ القلم : 11 ] أي يحتقر الناس ويهمزهم طاغيا عليهم ويمشي بينهم بالنميمة وهي اللمز بالمقال ، ولهذا قال هاهنا : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ كما قال : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] أي لا يقتل بعضكم بعضا . قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل بن حيان وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يطعن بعضكم على بعض « 1 » ، وقوله تعالى : وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ أي لا تتداعوا بالألقاب ، وهي التي يسوء الشخص سماعها . قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا إسماعيل ، حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال : حدثني أبو جبيرة بن الضحاك ، قال فينا نزلت في بني سلمة وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ قال : قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة ، فكان إذا دعي أحد منهم باسم من تلك الأسماء ، قالوا : يا رسول اللّه إنه يغضب من هذا ، فنزلت وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ « 3 » ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن داود به . وقوله جل وعلا : بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ أي بئس الصفة والاسم الفسوق . وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يتناعتون بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه وَمَنْ لَمْ يَتُبْ أي من هذا فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 12 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ( 12 ) يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن ، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعض ذلك يكون إثما محضا ، فليجتنب كثير منه احتياطا وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال : ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا ، وأنت تجد لها في الخير محملا . وقال أبو عبد اللّه بن ماجة : حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد اللّه بن أبي قيس النضري ، حدثنا عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول : « ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند اللّه تعالى حرمة منك ، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرا » « 4 » تفرد به ابن ماجة
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 11 / 391 . ( 2 ) المسند 4 / 260 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 63 ، وابن ماجة في الأدب باب 35 . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب 2 .